«ولكنّكَ، إن كنتَ تُحبُّ شخصًا وانفصلتَ عنه، فأين يذهبُ الحبُّ؟»
-carrie bradshaw
الساعة السابعة وسبع وخمسون دقيقة صباحًا، أكتب لك يا عزيزي القارئ على أشعة الشمس المتداخلة من الستارة التي حاولت إغلاقها ولم أنجح، وعلى جانبي كوب حضرته من أجل شرب الشاي الذي لا يكتمل صباحي بدونه، واضعةً فيه القليل من السكر مع حبة من الهيل المعروف بتحسين طعم الشاي، حتى وإن كان ما أشربه شايًا ورقيًا لا يُعد، في رأي البعض، شايًا حقيقيًا لكنه على أي حال الشاي الذي أدمنت عليه منذ زمن.
تساءلت قبل قليل، أثناء الإفطار، عن شخص عرفته قبل عدة سنوات. شخصية متناقضة المبادئ، تكره الاستقرار ويتملّكها خوف غريب من الثبات على شيء ما، حتى الأرض التي تمشي عليها لا تثق بها جيدًا.
ربما أقول لك، عزيزي القارئ، إنها كانت شخصية جيدة، لكن قبل فترة قريبة، لم أكن أستطيع التوقف عن تذكّر كل الأذى الذي حدث بسببها، والمواقف السيئة التي مررنا بها معًا. وربما كان ذلك بسبب الوجع الخفيف الذي كان يدق في صدري كلما تذكرتها… لكن اليوم، لم يحدث ذلك
ولأول مرة، لم تكن الذكرى مؤلمة كما اعتدتها، ولم أشعر بالحاجة إلى اختزالها في كل ما حدث بشكل سيئ.
وكان أول سؤال خطر ببالي:
لماذا نتحدث عن أي علاقة سابقة في حياتنا، عاطفية كانت أم صداقة، بطريقة سيئة بعد نهايتها؟
هل تحكمنا طبيعة العلاقة في الطريقة التي ننهيها بها؟ أم أننا، حين تنتهي علاقة ما، نعيد كتابة قصتها من جديد؟
وأين تذهب الذكريات الجميلة؟ تلك التي كانت، في وقت ما، حقيقية إلى درجة أننا لم نكن نشك في أنها ستبقى معنا إلى الأبد؟
جارتنا، أم أحمد، ما زالت تتحدث عن طليقة ابنها، رغم أن سنوات طويلة مرت منذ انفصالهما، وخالي كلما جاءت سيرة بعض أصدقائه القدامى يعود إلى الحديث عن صديق أنهى علاقته به بعد خلافات كثيرة. أما إحدى صديقاتي فلا تزال تصف حبيبها السابق بأنه كان «كابوسًا لعينًا»، وكأن كل ما حدث بينهما قبل أن يصبح كابوسًا لم يكن موجودًا أصلًا.
أفكر أحيانًا في هذا الأمر.
كيف يمكن لشخص أن يكون، في وقت من الأوقات، سببًا في ضحكتنا، وحاملًا لأسرارنا، وشخصًا ننتظر أن نراه في نهاية يوم طويل… ثم يصبح، بعد سنوات قليلة، مجرد اسم نتحدث عنه ونحن نهز رؤوسنا بأسف؟
هل لأن النهاية تعيد ترتيب ذاكرتنا؟
أم لأن الاعتراف بأن شخصًا آذانا، وفي الوقت نفسه منحنا لحظات جميلة، أصعب بكثير من أن نضعه في خانة واحدة: كان جيدًا، أو كان سيئًا؟
ربما نحن لا نكره الأشخاص دائمًا بعد رحيلهم.
ربما نكره النسخة التي اضطررنا إلى معرفتها منهم في النهاية.
لكن ماذا نفعل بالنسخة الأخرى؟
تلك التي أحببناها، وضحكنا معها، وعشنا معها أيامًا لا يمكن محوها لمجرد أن العلاقة انتهت؟
وتساءلت حقًا: هل كان كل أولئك الأشخاص سيئين فعلًا؟ ألم تكن فيهم صفة واحدة جيدة تستحق أن نتذكرها؟ هل إنهاء صداقة أو علاقة يأتي معه شرط ضمني بأن نبدأ بذكر الشخص بطريقة سيئة، حتى وإن كان جيدًا في يوم من الأيام؟
لا أخفي عليك، عزيزي القارئ، أنني كنت أول من يؤمن بأن إنهاء أي علاقة يعني -بطريقة أو بأخرى- أن تبدأ بذكر الشخص بالسوء. كنت أظن أن علينا أن نتذكر عيوبه، ونستعيد كل ما آذانا به، ونقنع أنفسنا بأنه لم يكن يستحقنا أصلًا؛ حتى لا يرقّ لنا قلب، وحتى لا نشتاق إلى شيء تركناه خلفنا.
وكانت تلك الطريقة مفيدة جدًا.
إلى أن استوعبت، قبل عدة أسابيع، وأنا جالسة على أرضية غرفتي أحدق في السقف — وهي عادة أحب فعلها كثيرًا — أنني ربما لم أكن أتجاوز كل ما حدث مسبقاً بقدر ما كنت أُظهر.
ظهرت أمامي ذكرى قديمة، كأنها لوّحت لي فجأة من أفق النسيان. ذكرى ظننت أنني دفنتها منذ زمن، لكنها كانت، على ما يبدو، تنتظر أن ألتفت إليها.
ربما لم تكن تريد مني أن أبقى أسيرة لوجعها، ربما كانت تريد فقط أن أعترف بأنها حدثت.
كانت ذكرى لحكاية قديمة، عن كلمات قيلت لي من صديقة كانت أقرب ما تكون إليّ. مرّت على تلك الكلمات سنوات، ومع ذلك ما زلت أغصّ بحروفها كلما هبّت على ذاكرتي. تجاهلتها طويلًا، وربما أغضبتها بذلك التجاهل، فأصبحت تعود إليّ كلما أصابني الأرق، وكأنها تذكّرني بأنها لم تكن مستعدة لأن تُنسى بهذه السهولة.
كانت تظهر كلما مررت بين صديقتين، وكلما رأيت قربًا يشبه ذلك القرب القديم، وكلما لاحظت أنني لم أعد أملك الشغف نفسه لتطوير صداقة جديدة، أو لجعلها شيئًا مهمًا في حياتي.
حتى أصبحت دائرتي صغيرة جدًا، مقتصرة على أولئك الذين أثق بهم حقًا.
ولم أدرك، إلا بعد سنوات، أنني ربما لم أكن قد تجاوزت تلك الكلمات كما ظننت، بل كنت أهرب منها فقط؛ وأن بعض الذكريات، حين نتجاهلها طويلًا، لا تختفي… بل تتعلم كيف تعود في أكثر الأماكن التي لا نتوقعها.
لذلك، عقدت العزم اليوم على أن آخذ الذكرى معي إلى الغداء، وأن أجلس إليها قليلًا ونعقد صلحًا.
أردت أن أشرح لها أن تأثيرها في داخلي لم يعد كما كان، وأنني، رغم كل ما حملته منها طوال هذه السنوات، صرت أقدّر وجودها بطريقة مختلفة. فقد غيّرت في داخلي شيئًا ما، وربما جعلتني أنضج، وأكثر حذرًا مما كنت، حتى وإن تركت خلفها مشاكل كبيرة في ثقتي بالآخرين.
جلست أستمع إليها وهي تشرح لي أن صاحبتها لم تكن تقصد كل ما حدث، وأنها حاولت الاعتذار لي قبل سنوات، لكنني لم أسمح للاعتذار أن يصل إليّ.
وللمرة الأولى، لم أشعر بحاجة إلى كره صاحبتها وحتى اشتد شعور التأكد بداخلي انني اليوم سامحتها بحق.
وأن عليها، إن التقت بصاحبتها، أن تخبرها بذلك، أنني لم أعد غاضبة…
وحين انتهى الغداء، شعرت أنني للمرة الأولى لم أعد مضطرة إلى الاختيار بين أن أحب ما كان جميلًا، وأن أكره ما كان مؤلمًا.
كان بإمكاني أن أحمل الاثنين معًا.
وهذا، ربما، كان شكل الصلح الذي كنت أبحث عنه طوال هذه السنوات..
وهنا، يا عزيزي القارئ، يأتي دوري لأخبرك أنك لست بحاجة إلى كره من كانوا يومًا جزءًا من حياتك، حتى وإن انتهى دورهم بطريقة مؤلمة أو لم تكن النهاية بالقدر الذي تمنيناه من الرعاية واللطف.
ربما نحن، كبشر، محكومون بمشاعرنا أكثر مما نظن. وربما كان اعتقادك بأن الشخص الذي تركته كان سيئًا، أو مؤذيًا، أو غير مُراعٍ، جزءًا كبيرًا من شعورك الداخلي ورغبتك في تجاوز ما حدث والمضي قدمًا.
وربما كنتَ مثلي، عزيزي القارئ، حين ظننت أن استحضار المواقف السيئة وحدها سيعفيك من الحنين.
كنت أعتقد أنني كلما تذكرت ما آذاني، أصبح ترك الماضي أسهل.. لكنني اكتشفت أن الذكرى السيئة قد تكون هي الشبح الحقيقي.
ذلك الشبح الذي تظن أنك تخلصت منه حين تغلق الباب خلف الماضي، ثم تجده يعود إليك في ليلة أرق، أو في وجه شخص عابر، أو في موقف صغير لا علاقة له بما حدث. يظهر فجأة، ويجلس إلى جوارنا، ويذكّرنا بشيء ظننا أننا دفناه منذ سنوات… وربما يظهر لنا حتى في المرآة، لأننا لم نتعلم بعد كيف ننظر إليه دون أن نهرب.
لذلك، ربما لا يكون تجاوز الماضي في أن نحوله إلى قصة سيئة بالكامل، ولا في أن نقنع أنفسنا بأن كل ما كان بيننا لم يكن يستحق.
ربما يكون التجاوز الحقيقي حين نستطيع أن ننظر إلى ذلك الشبح ونقول له: نعم، لقد آذيتني، لكنني لم أعد أحتاج إلى أن أكرهك كي أستطيع المضي قدمًا.
فبعض الأشخاص يتركون فينا جروحًا، وبعضهم يتركون دروسًا، وبعضهم يفعلون الأمرين معًا.
وليس علينا أن نمحو الأشياء الجميلة كي نعترف بالأشياء التي آلمتنا يكفي أن نتذكرها كما كانت بكل ما فيها.
عزيزي القارئ، أتمنى أن تستطيع أن تخلّص نفسك من هموم الماضي ومآسيه، وأن تمنح الحاضر فرصة لصنع ذكريات جديدة.
وربما، في يوم ما، تأخذ مستقبلك إلى العشاء أيضًا، تجلس معه بهدوء، وتتحدثان طويلًا عن كل ما تنوي فعله من أجله، وعن الشخص الذي ترغب في أن تصبحه حين تصل إليه.
لكن عليك أن تثق بأن الماضي بابٌ موصد.
وأن ما يقع خلفه ليس مكانًا يمكنك العودة إليه، بل سرابًا لا وجود له إلا في ذاكرتك.
ولا فائدة من الوقوف طويلًا أمام باب أُغلق منذ زمن، ولا من محاولة استعادة ما انتهى فبعض الأبواب أُغلقت كي نلتفت إلى الأبواب التي لم نفتحها بعد.
فامضِ، عزيزي القارئ.
واترك للماضي أن يكون ماضيًا، دون أن تجبر نفسك على كرهه كي تستطيع أن تحب ما ينتظرك.
- محبتكم دائمًا،داليا



لاحظتُ قبل فترة أنه كان ينطبق عليّ المثل: "نُحسن إليهم سنة، ونسيء إليهم يوماً، فينسون السنة ويتذكرون اليوم". خضتُ شجاراً مع صديقة، وانتهت معه علاقتنا التي استمرت لسنوات، ولم يكن هناك سبيل ليعود الود بيننا. وشرعتُ أنا هداني الله في تذكرها بهذا الموقف السيئ فقط. ولكنني علمتُ أخيراً أن الكره يؤذيني أنا ولا يؤذيها، وحتى لو افترقنا، فالصفح مع البعد كافٍ، والأيام الخالية بيننا تشفع لها.
احسنت في صياغة الموضوع، جزاك الله خيرًا.
مقال رائع جدا ، يلفت النظر الى امر ربما لن نفكر فية ابدا رغم اهميتة