َتحَوُّلات الهُوِيَّةِ: كَيْفَ نُعِيدُ تَشْكِيلَ أَنْفُسِنَا?
الأحلامُ هُويّةٌ... لكن، هل ما زلتُ أريدُ هذا الحُلم؟
الأحلامُ ليستْ مجرّدَ رغباتٍ نُردّدها في خواطرنا، بل هي امتدادٌ لهُويّاتِنا، تُشكّلُنا وتمثّلُ طموحاتِنا، وتُصبحُ جزءًا كبيرًا من تعريفنا لأنفُسِنا.
لكن، هل فكّرتَ يومًا: هل ما زلتَ تُريد هذا الحُلم؟
وهل تساءلتَ إن كان الطريقُ الذي تسلكُه اليوم ليس الطريقَ الذي تريده حقًّا، بل إنّك تخافُ أن تُغيّرَ وجهتك في منتصف الطريق، فقط لأنّ الاعترافَ بالتغيّرِ يُربكُك؟
إنّها أسئلةٌ بسيطةٌ، ولكنّها مخيفة. لأنّ طرحَها يُجبرُنا على مواجهةِ حقيقةٍ لطالما تهرّبنا منها: أنّ الأمورَ تغيّرت، وأنّنا أصبحنا نسخًا مختلفةً عن أولئك الذين بدأوا الحلمَ منذ البداية، لدرجةٍ قد نَعجزُ فيها عن تمييزِ ذواتِنا.
ومع ذلك، نستمرّ في السير… لا لأننا مقتنعون، بل لأنّنا نخشى الاعتراف: بأنّ الزمنَ تغيّر، ونحن تغيّرنا معه.
أحيانًا لا نُدرك أننا تغيّرنا. نظنّ أننا ما زلنا نحن، فنُكرّر الكلامَ نفسه، ونُمسكُ بالأهدافِ ذاتها، ونُردّد الطموحاتِ التي اعتدناها، لا لأننا نؤمنُ بها، بل لأننا لم نمنحْ أنفسَنا لحظةً صادقةً لإعادةِ النظر. نخافُ أن نقول: "لقد تغيّرتُ"، لأنّنا نعتبر التغيّر خيانةً لنسخةٍ منّا أحببناها يومًا، واعتدنا الثقةَ بأفكارِها، وعِشنا معها كلَّ أيّامِنا، بل وعرّفنا الآخرينَ بها بفخر.
فهل يكونُ التمسّكُ بما كنّا عليه، حفاظًا على الأصالة؟
أم أنّ فيه خيانةً للنسخةِ الجديدةِ التي تحاولُ النجاة؟
في لحظةٍ ما، فُتِحت بداخلي بوّابةٌ داخلية، قادتني إلى تلك النسخةِ الصغيرةِ منّي: فتاةٌ ذات شعرٍ أسودَ داكنٍ، وعينينِ واسعتينِ تملؤُهما الدهشةُ والرغبةُ في معرفةِ كلِّ شيء.
كانت تظنُّ أنّها قادرةٌ على احتواءِ المستقبلِ بأكمله. خطّطتْ لي حياتي بكلّ تفاصيلها، رسمتْ لي الطريق، بنَتْ قيمي، وكتبتْ أوّل تعريفٍ لهويّتي.
لكن، كانت تفعلُ كلَّ ذلك بدافعِ خوفٍ خفيّ: الخوف من أن تُنسى، وأن يُنهيها التقدُّمُ في العمر، فتُدفنُ في طُرق النسيان، وتُستبدَلَ بنسخةٍ أخرى تائهةٍ لا ماضِيَ لها، ولا ملامحَ واضحة.
وفي خِضمّ هذه الذكرى، ينهضُ السؤالُ مجددًا:
هل أنا ما زلتُ تلكَ الفتاةَ الصغيرة؟
يُراودُني هذا التساؤل في كثيرٍ من الأحيان، يسري في داخلي كما تسري الذكرياتُ القديمةُ في الذاكرة. أقفُ أمامَ مرآتي وأسألُ: هل ما زلتُ أنا؟
هل ما زالت تلك الطفلةُ تسكنني؟
أم أنّني كبرتُ وابتعدتُ عنها، شيئًا فشيئًا، حتى أصبحتُ لا أراها بوضوح؟
كنتُ أُرهقُ عقلي الصغير آنذاك في رسمِ مستقبلٍ كاملٍ ومُحكم، لا أتركُ فيه فجوةً، ولا أمنحُ للاحتمالات فرصةً للتسلّل. كنتُ أرفضُ فكرة أن تغيّرني السنين، وأصرُّ على أن تبقى تلك الفتاةُ الصغيرةُ حيّةً بداخلي، مهما اشتدّت العواصفُ، وتبدّلت الظروف.
لكنني، في أحد الأيام، توقّفتُ فجأة. نظرتُ إلى نفسي بتمعّن. من أنا اليوم؟ وكيف وصلتُ إلى هذا المكان؟ هل أنا ما زلتُ أعيشُ بناءً على أحلامِ طفلةٍ لم تتجاوز الثانيةَ عشرةَ من عمرها؟
طفلةٌ خطّطت لي حياتي، وأنا أكملتُ المسير دونَ أن أُعيدَ النظر.
كم من الأوقاتِ مرّت، وأنا أمضي في طرقٍ خُطّت لي منذ زمنٍ بعيد، فقط لأنني خفتُ أن أتوقّف؟ خفتُ أن أسأل: هل هذا ما أريده فعلًا؟
خفتُ أن أُقرّ أنّني تغيّرت، وأنّ جزءًا منّي لم يَعُد يليقُ بما كان يؤمنُ به قديمًا.
لكن، أليس قد حانَ الوقتُ لتحريرِ ذواتِنا من عبءِ الأحلامِ القديمة التي لم نَعُد نُشبهُها بشيء؟
أليس من حقّنا أن نُطلقَ العَنانَ لشخصيّاتِنا الجديدة، لقيمِنا التي نضجت، دون أن نُفرّطَ في محبّة النسخةِ القديمة بداخلنا؟
وهنا قرّرتُ أن أكتبَ هذه المقالة، لأقولَ لك، عزيزي القارئ:
من المقبول أن تختارَ الانعطافَ في رحلةِ حياتك. بل إنّني أدعوك أن تعتبرَ كلَّ تغييرٍ ومنعطفٍ جديدٍ في حياتك، إعلانًا شجاعًا بأنّك أقررتَ لنفسِك أنّ التغيّر من أعظمِ نِعَمِ الحياة، وأنّك جديرٌ باستغلاله.
فمن غيرِ المعقول أن تظلَّ أسيرًا لقراراتٍ وأحلامٍ لم تأخذ في الاعتبار أنّك إنسانٌ يتطوّر، وينضج، ويتبدّل.
في النهاية:
أنت لستَ خائنًا إن تغيّرت. أنت فقط، تحرّرت.
وفي الحقيقة، لا يسعني اليوم إلا أن أُعرب عن امتناني لتلك الفتاة الصغيرة التي سكنتني يومًا، وقرّرت عني الكثير، قبل أن أملك الشجاعة أو الوعي.
لقد قادتني بنقاء قلبها، بحماسة أحلامها، وبإصرارها على أن تصوغ لي هوية لا تنكسر.
لكنّ الوقت قد حان الآن لأُكمل ما تبقّى من الطريق بقراراتي أنا.
لا لأُلغي وجودها، بل لأدعها تستريح قليلًا… وتطمئن.
فكلّ ما مرّ، وما سيمرّ، لن يمحو حضورها بداخلي. هي لست ذكرى، بل جذور.
وسأظلّ، عند كل مفترق، أُصغي لهمسها الخافت، أطلب رأيها، أستعين ببصيرتها الأولى،
لأن فينا معًا، أنا وهي، تتجلّى الحقيقة الأجمل:
أنّ الذات ليست مرحلة، بل تراكمٌ من نُسَخٍ تعانقت… كي نُصبح من نحن عليه الآن.
- داليا



استمتعت جدّا و أنا أقراه أحسه لامس شي في داخلي ، مقالة خلتني أتوقف قليلاً استرجع نفسي شوي .. شكراً لك داليا ❤️
المقال صحاني لفكرة ما طرأت على بالي من قبل، يااه من فترة ما قرأت مقال خلاني اشتهي أكتب شيء. ممتنة لك يا داليا 🩵🩵