متلازمة المحتال | هل نستحق السعادة؟
“ التساؤل السرمدي “
هل تساءلتَ يومًا عن السَّعادة؟ وهل راودكَ التَّفكيرُ بها مِثلي؟ من أين تأتي، وهل نحنُ أهلٌ لها؟ وكيف لنا أن نعرفَ بأنّنا نستحقُّها اليومَ ونتقبّلها برَحب؟
أهي هِبةٌ تُعطى لمن اجتازَ اختبارات الحياة، أم هي حقٌّ فطريّ وُلِد معنا منذ اللحظة الأولى؟
ولماذا، كلّما اقتربنا منها، جاءتنا الشكوك لتهمس في آذاننا أن نبتعد؟
اليوم، وجدتُ نفسي أُفكِّر في كلِّ ذلك، بينما أنتظر غليانَ القهوة… وكما يقولون: “الإِناءُ المُراقَبُ لا يَغلي”، وهذا ما قادني إلى الغوصِ في أعماقِ ذاكرتي، أفتِّش عن إجابةٍ لِهذه التَّساؤلات.
عاد بيَ الخيالُ إلى أواخرِ صيفٍ مضى قبلَ ثلاثِ سنين، حين وقفتُ أنا — نُسختي الصغيرة — حاملةً شهادةَ التَّفوّقِ على المنصَّة، على وقعِ تصفيقِ جميعِ الطَّلبة، وعيونُ والديَّ تلمعُ ..فخرًا وفرحًا بِفتاتهم التي اعتادت أن تتفوّقَ في كلِّ صفٍّ تمرُّ به.
كنتُ أتجوّلُ بنظراتي بينَ الحضورِ، والأساتذةِ، وزميلاتي الواقفاتِ بجانبي، أحاولُ أن أصوّرَ في ذاكرتي كلَّ لحظةٍ تحدثُ، كأنها شيءٌ لن يُكرّر.
تحوّلت نظراتي إلى شهادتي التي أُحملُها، وفكرتُ جدّياً بأنني، رغم كلِّ ما كسبتُه، لم يكن هناك أيُّ ذرةٍ من الفرحِ في داخلي أو سعادة.
شعرتُ حينها أنني لا أستحقُّ أن أكونَ سعيدة، وخصوصاً في تلك اللحظة.
كنتُ أشاهدُ كلَّ شيءٍ كأنني مراقبةٌ من بعيد، وأنظرُ إلى نفسي كمحتالةٍ وسطَ كلِّ الطالبات المتفوقات… الفتاةِ التي لم تفعل شيئاً لتنالَ تلك الشهادة التي تحملها…
استغربتُ حينها من أفكاري، فأنا وحدي من يعرفُ ما الذي عانيتُه حتى أصلَ إلى هذه النقطة.
كم كتابًا حفظتُ، وكم أستاذة تحديتُها بنجاحي، والليالي التي سهرتها وأنا أذاكر حتى أصبحت عيناي مُرهقتين ومتعبتين.
وصلتُ إلى هدفي أخيرًا… ولكن، لم أشعر بالسعادة!
ومع كل هذا النجاح، كان هناك صوتٌ خافتٌ بداخلي يهمسُ: “هل أنتِ حقًا تستحقين هذا؟”
صوتٌ يزرعُ في قلبي شكوكًا لا تنتهي، ويحول فرحي إلى خوف من الانكشاف، من أن تُكشف حقيقتي المزيفة.
كنتُ كمن يمشي على حبلٍ رفيعٍ بين الفخر والشك، بين الرغبة في الاعتراف بإنجازاتي والخوف من أن أكون مجرد محتالة في نظر الجميع.
وفي تلك اللحظات، بدأتُ أتساءل: هل السعادة حقًا لنا؟ هل نستحق أن نفرح بلا خوف، بلا تأنيب ضمير؟
وهل يمكن للإنسان أن يحتضن فرحه، حتى وإن كان قلبه مثقلاً بالشكوك؟
عدتُ إلى الحاضر عند فوران القهوة، لأصبها في ذلك الفنجان الصغير الأسود، ليصبح ملاذَ الراحة التي احتجتها من أفكاري وشكوكِي الداخلية.
ومع أن القهوة كانت ساخنة، بقي قلبي بارداً قليلاً…
كم من اللحظات المهمة في حياتي مرت دون أن أذوق طعمها أو أشعر بسعادتها، لأنني كنتُ خائفة من السعادة، مليئة بالشكوك التي تحيرني،
مما جعلني أدرك أن السعادة لم تعد شعورًا سهلاً كما اعتدتُ عليها، بل أصبحت ضيفًا عابرًا سريع المرور، ترك مكانه خالياً في حياتي،
وكل يوم كنتُ أتحضر لأستقبلها، لأتفاجأ بغيابها المستمرّ.
التقطتُ هاتفي لأبحث عن مسمّى لهذا الشعور الغريب، لعلّ وعسى أجد لبعضٍ من تساؤلاتي معنى وأجوبة.
وبين عشرات المقالات والكتب الرقمية، وقعت عيناي على عبارة تكررت أكثر من مرة: “متلازمة المحتال”.
توقفت عندها، كأنها كلمة تحمل مفتاحًا لباب ظل مغلقًا في ذاكرتي لسنوات.
بدأت أقرأ، وكل سطرٍ كان أشبه بمرآة تعكس ما يدور بداخلي: الشك في الذات، التقليل من قيمة الجهد، الخوف من لحظة الانكشاف، والرهبة من الفرح وكأنه ذنب.
من بين أكثر المعارك النفسية تعقيدًا التي قد تواجهنا، تبرز متلازمة المحتال كظلّ ثقيل يرافق الكثيرين، حتى أولئك الذين يبدون من الخارج ناجحين ومتميزين.
إنها ذلك الشعور العميق بالشك في الذات، والاعتقاد بأن الإنجازات التي حققناها ليست إلا محض حظ أو صدفة، وأننا في النهاية مجرد “محتالين” على وشك أن يُكشف أمرنا في أي لحظة.
هذه المتلازمة ليست مجرد شك عابر، بل هي تجربة متكررة تحاصر صاحبها بأفكارٍ سلبية تجعله ينكر جهوده ويقلل من قيمتها.
يشعر وكأن الفرح أو النجاح لا يستحق أن يُحتفى بهما، وأنهما محكوم عليهما بالزوال سريعًا.
تأتي متلازمة المحتال غالبًا نتيجة لمزيج من التربية التي فرضت معايير صارمة، أو بيئات تنافسية لا ترحم، أو صفات شخصية مثل الكمالية والخوف من الفشل.
وفي كل رشفة من قهوتي، كنت أشعر وكأنني أتناول شيئًا أكبر من مجرد مشروب دافئ؛ كنت أرتشف ذكرياتي، وأحاول تذوق لحظاتٍ لم أعرف كيف أفرح بها في وقتها.
تساءلت، كم مرة سمحت للخوف أن يسرق فرحتي؟ كم مرة صدّقتُ ذلك الصوت الخافت الذي يخبرني أن ما أملكه ليس حقي، وأنني مجرد عابرة في مشهد نجاح لن يدوم؟
كانت تلك الأسئلة تدور في رأسي كدوامة، وأدركت أنني لست وحدي في هذا الصراع.
كم من شخصٍ يبتسم في العلن، لكنه في أعماقه يختبر هذا الإحساس؟ كم من ناجحٍ يبدو ثابتًا من الخارج، بينما داخله يتأرجح بين الفخر والشك؟
صرتُ أستمع لذلك الصوت بداخلي، لا لأصدقه، بل لأفهمه… لأعرف من أين يأتي، ولماذا يصرّ على أنني لا أستحق السعادة، رغم كل شيء.
وفي أثناء ذلك البحث، توقفت عن التفكير في كل شيء.
لأول مرة، أدركت أنني لست الوحيدة التي تملك هذا النوع من التفكير وهذه التساؤلات، وأن كثيرًا من الرسامين والكُتّاب والمشاهير يعيشونها أيضًا.
لكنهم، مثلي، يُجيدون إخفاء خوفهم وشكهم في أنهم لا ينتمون حقًا إلى المكان الذي يقفون فيه.
تذكرت حينها كل تلك المرات التي تحفظت فيها عن ذكر إنجازاتي، ووصفتها بالترهات، وكيف أنني لم أستطع إكمال أي طريق بدأتُه بسبب شكي في ذاتي.
كل كتاباتي كنت أراها قديمة ومكرّرة،
وكل رسوماتي باهتة وغير ملفتة،
وكل ما تصنعه يداي لا يساوي شيئًا.
كان الأمر أشبه بحصار صامت، لا جدران له، لكنه يحيطني من كل اتجاه.
كلما حاولت التقدم خطوة، شدّني ذلك الصوت الخافت إلى الخلف، يهمس لي أنني لست جديرة، أن ما أفعله لا يكفي، وأن الآخرين أحق بالمكان الذي أحلم به.
كنت أرى أحلامي تتراكم في زوايا غرفتي على هيئة دفاتر نصف ممتلئة ورسومات غير مكتملة، مشاريع علّقتها على أمل أن أعود إليها… ولم أعد.
كنت أختبئ وراء أعذار صغيرة، بينما الحقيقة أنني كنت أهرب من مواجهة فكرة أنني قد لا أكون جيدة بما يكفي.
وفي لحظات الصمت الطويلة، كنت أستشعر ذلك الفراغ في داخلي، الفراغ الذي يبتلع أي لحظة فرح قبل أن تكتمل، ويترك مكانها سؤالًا يلحّ عليّ:
“إن كنتِ لا ترين نفسكِ أهلًا لإنجازاتك… فكيف سترين نفسك أهلًا للسعادة؟”
في تلكَ اللحظةِ، شعرتُ وكأنّني أقفُ أمامَ مرآةٍ لم أنظرْ إليها من قبل، مرآةٍ تكشفُ كلَّ ما كنتُ أتجنّبُه، وتفضحُ كلَّ الأفكارِ التي حاولتُ إخفاءها حتى عن نفسي.
اكتشفتُ أنّ المشكلةَ لم تكُنْ في ما أكتبه أو أرسمه أو أصنعه بيدي، بل في العدسةِ التي أطلُّ من خلالها على عملي… عدسةٍ مشوَّشةٍ بالشكوكِ والخوفِ والمقارنةِ المستمرّة.
ومجرّدُ معرفتي بأنَّ لهذا الشعورِ اسمًا، جعلني أُدرك أنّني لستُ وحدي، وأنّ ما أمرُّ به ليس عيبًا أو نقصًا، وأنّه أمرٌ قابلٌ للتغيير.
لم يأتِ التغييرُ فجأةً، لكنَّ الفكرةَ زُرعتْ بداخلي… فكرةُ أنَّني ربّما أستحقُّ أن أعيشَ لحظاتي كاملة، وهل يمكن للسعادة أن تمكث في داخلي مجدداً؟
عزيزي القارئ، أنت جدير بكل لحظة فرح، حتى وإن كانت بسيطة.
لن أخبرك أن الرحلة ستكون سهلة، فالأصوات الهامسة التي تخبرك بأنك لست كفؤًا لن تختفي.
ربما تقلّ حدتها مع الوقت، لكنها لن تزول أبدًا.
ستظل تلك الأصوات عالقة في ذهنك، لكنك وحدك من يعرف كيف يتجاهلها، وكيف يختار في كل لحظة أن يترك خلفه كل الشكوك، ويستمتع بلذة الفرح والفخر.
وبردًا على تساؤلي، فإن السعادة ليست استحقاقًا، بل هي موجودة داخل كل منا.
أن تكون سعيدًا هو اختيار، وليس مجرد شعور عابر.
إن تختار طوعًا أن تكون سعيدًا رغم كل التحديات، هو انتصار صغير على كل تلك الشكوك التي تحاول سرقة فرحتك.
السعادة ليست جائزة تُمنح لمن يستحق فقط، بل هي حالة نختارها نحن بأنفسنا كل يوم، بقرار واعٍ وصادق.
لذا، لا تنتظر إذنًا أو مبررًا لتكون سعيدًا، ولا تسمح لأصوات الشك أن تعيقك عن احتضان اللحظات الجميلة التي تستحقها حقًا.
في نهاية هذه الرحلة مع الذات، لا يسعني إلا أن أقول لك:
السعادة ليست وجهة تصل إليها، ولا جائزة تنتظرها، بل هي اختيار تعيشه كل يوم، في كل لحظة.
هي قرار ترفض فيه أن تسمح للشكوك أن تسرق منك حقك في الفرح، وتختار أن تحتضن ضعفك وقوتك معًا.
تذكّر دائمًا، أنك لست وحدك في معركتك، وأن لكل منا صوته الخافت الذي يحاول أن يشكك في قيمته،
لكن القوة الحقيقية تكمن في أن تواصل السير رغم هذا الصوت، وأن تبني لنفسك عالمًا من الفرح والسلام، حتى وإن كان صغيرًا في البداية.
لأنك ببساطة، تستحق أن تكون سعيدًا، الآن وهنا، وليس غدًا أو في مكان ما أو عند تحقيقك لأنجاز آخر…



مقال جميل و وصفك كذلك💕