اتمنى ان تستمع بقراءة هذا المقال كما استمتعت أنا بكتابته! 𝜗ৎ
مرحبًا عزيزي القارئ أُخمّن أن دخولك لقراءة هذه المقالة لم يأتِ من فراغ، وربما كان لسببٍ من سببين: الأول، أنك تعتقد أن عنوان المقالة خاطئ، وأنني تعمدت استفزازك لتضغط عليه أما الثاني، فهو أنك مررت بهذا التساؤل يومًا ما، وربما سألت نفسك بصمت: هل ترك الصلاة يبعدنا فعلًا عن الابتلاء؟ وأنا هنا اليوم لأشاركك الرحلة التي أوصلتني إلى الإجابة، على أمل أن تجد فيها ما يُطمئن عقلك وقلبك معًا
أتذكر حين كنت صغيرة، كنت أسأل أمي عن الله؛ عن صفاته، وعن شكله، وعن كل ما يخطر في بال طفلةٍ ترى العالم لأول مرة. كنت أتخيل، ببراءةٍ تامة، أنه ربما يجلس معنا يومًا على مائدة الغداء، أو أنني سأستطيع احتضانه لأشعر بحبه ولطفه اللامتناهي.
لكن أمي كانت تبتسم وتخبرني أن الأمر ليس بهذه الطريقة، وأن هناك شيئًا اسمه الإيمان.
وأعترف أن هذا المفهوم كان من أصعب الأشياء التي حاولت فهمها. فقد كنت طفلة لا تستطيع الوثوق بشيء إلا إذا رأته بعينيها أو تحدثت إليه بنفسها، لذلك بدا لي الإيمان فكرةً أكبر من قدرتي على الاستيعاب..
كبرت… وكبرت معي الأسئلة أيضًا.
لم تكن أسئلتي عن وجود الله، بل عن الحكمة من الأشياء، وعن سبب وجود بعض الأحكام، ولماذا يحدث ما يحدث في حياتنا. وكلما كبرت، أدركت أن كثيرًا من الإجابات التي كنت أسمعها كانت محفوظة أكثر من كونها مفهومة؛ تُنقل من جيل إلى جيل دون أن يتوقف البعض ليسأل: لماذا؟
ولا أقول إن الجميع كذلك، فهناك من تعلّم وفهم وبحث، لكنني كنت أبحث عن إجابات تُقنعني أنا، لا إجابات أرددها لأن الجميع يرددها.
في تلك اللحظة اتخذت قرارًا غيّر طريقتي في التفكير؛ قررت ألا أرفض، وألا أُسلّم أيضًا… بل أن أبحث، وأن أسأل، وأن أقرأ، حتى أصل إلى قناعة حقيقية، مهما استغرق ذلك من وقت.
حين أتممت الرابعة عشرة من عمري، بدأت ألتزم بصلاتي التزامًا حقيقيًا، حتى أصبحت من أهم لحظات يومي. استمر هذا الالتزام لسنتين كاملتين، وكان الدعاء يستغرق جزءًا كبيرًا من وقتي، بينما كان حبي لله يزداد يومًا بعد يوم، دون تردد أو تساؤلات.
وحين ظننت أنني وصلت إلى المرحلة التي كنت أبحث عنها من الإيمان، بدأت أولى الابتلاءات التي غيّرت كل شيء
ففي ذلك الوقت علمت أن خالتي، التي كنت أعتبرها أمي الثانية، مريضة. كانت مصابة بمرضٍ خبيث، سبق أن تعافت منه، لكنه عاد للظهور من جديد.
كانت صدمةً كبيرة، خصوصًا أنني كنت أحبها وأحترمها كثيرًا. قضيت معها من الوقت أكثر مما قضيته مع عائلتي أحيانًا، وكنت أرى في وجهها صورة الإيمان الصادق، وحبًا خالصًا لله. بل إن التزامي بالصلاة كان يعود إليها بعد فضل الله، فهي من أكثر الأشخاص الذين أثروا في علاقتي بربي.
حينها كرّست معظم وقتي للدعاء. وما زلت أتذكر دموعي وقتها، وأتذكر كل تلك الوعود التي قطعتها لله إن شفاها، وكل الرجاء الذي كنت أحمله في قلبي وأنا أرفع يدي إليه، مؤمنةً أنه لن يخذل دعائي.
لم يمر وقتٌ طويل بعد ذلك حتى توفاها الله إثر ذلك المرض.
حينها توقفت طويلًا، أتساءل عن الحكمة فيما حدث. كانت امرأةً طيبة، محبة للحياة رغم كل ما مرت به من صعوبات. وبعد سنوات من الألم، بدأت أخيرًا تتعلم كيف تعيش، وكيف تسمح لنفسها بأن تكون سعيدة. وما إن شعرت أنها وجدت طريقها، حتى عاد المرض، ورحلت بسببه.
أتذكر تلك الليلة جيدًا.
أتذكر البرد القارس وأنا أقف أصلي لها صلاة الوحشة عند الثانية عشرة بعد منتصف الليل. كنت وحدي في غرفة المعيشة، والأضواء مطفأة، ولا أسمع إلا صوت أنفاسي المرتجفة. لم يكن البرد في أطرافي فقط، بل كنت أشعر به في عظامي وقلبي معًا.
ولا أعرف حتى اليوم كيف استطعت إكمال تلك الصلاة في ذلك الشتاء القاسي وحين انتهيت،
لم أجد في داخلي سوى سؤالٍ واحد يتكرر بلا توقف: لماذا؟
لقد دعوت الله كثيرًا أن يحفظها لنا، وبكيت، ورجوته بكل ما أملك من يقين، وها أنا اليوم أقف أصلي لها صلاة الوحشة، وأدعو الله أن يرحمها ويغفر لها، بعدما كنت قبل أشهر أدعوه أن يبقيها معنا.
لا أخفي عليكم أنني تغيّرت في ذلك اليوم.
لم أعرف كيف يكون الحزن بهذا الثقل، ولم أعرف كيف يمكن للإنسان أن يتقبل فكرة رحيل شخصٍ كان جزءًا من تفاصيل حياته اليومية. كانت تلك أول مرة أشعر فيها أن إيماني لم يعد مجرد طمأنينة… بل أصبح مليئًا بأسئلة لم أكن أعرف كيف أجيب عنها.
وهنا مرّت أول أشهرٍ من حياتي دون صلاة.
لم أستطع أن أؤمن بأن ما حدث كان أمرًا يمكنني تقبّله بسهولة. كان كل شيء داخلي مرتبكًا؛ الحزن، والغضب، والأسئلة التي لم أجد لها جوابًا. لم أكن أرفض الصلاة بقدر ما كنت عاجزة عن الوقوف بين يدي الله وأنا أحمل كل هذا الثقل في قلبي.
ثم جاء يوم ميلادي السادس عشر، بعد شهرٍ ونصف من وفاة خالتي.
أتذكر ذلك اليوم بشكلٍ ضبابي، لكنني أتذكر وعدًا قطعته على نفسي بوضوح. قلت لنفسي إن ما حدث، مهما كان مؤلمًا، لن يكون سببًا لأن أبتعد عن الصلاة أو عن الله. وإن لم أستطع العودة اليوم، فسأحاول غدًا، وإن فشلت فسأحاول مرةً أخرى، حتى أعود.
وبعد شهرين من وفاة خالتي، عدت إلى الصلاة.
لم تكن كل أسئلتي قد وجدت إجاباتها، ولم يكن يقيني قد عاد كما كان، لكنني كنت أفتقد تلك الطمأنينة التي كنت أشعر بها في كل سجدة. لذلك قررت أن أعود، حتى وإن كنت لا أفهم كل ما حدث.
لكن الحياة كانت تُخبئ لي ابتلاءً آخر، فبعد أسبوع واحد فقط من التزامي بالصلاة، وصلنا خبر وفاة خالي الذي كان بالنسبة لي أبًا ثانيًا. عاش مغتربًا مع عائلته لسنوات طويلة، وسافر وأنا ما زلت طفلة صغيرة، لذلك لم أره منذ ما يقارب عشر سنوات. كنت دائمًا أؤجل فكرة لقائه، وأظن أن الوقت لا يزال أمامنا.
لكنني اكتشفت، كما يكتشف الكثيرون متأخرين، أن بعض المواعيد لا يمنحنا القدر فرصةً لنعيشها.
رحل بعيدًا… دون أن أراه للمرة الأخيرة، ودون أن أودعه.
وهنا بدأ عقلي يربط بين شيئين لا علاقة بينهما.
ففي كل مرة ألتزم فيها بالصلاة، كنت أفقد شخصًا عزيزًا عليّ. وبدون أن أشعر، بدأت أكتب في داخلي معادلةً لم أخترها بإرادتي:
الصلاة = ابتلاء جديد.
أصبحت أخاف من الالتزام نفسه. ليس لأنني كنت أكره الصلاة، ولا لأنني فقدت إيماني بالله، بل لأن عقلي البشري كان يحاول أن يجد تفسيرًا لما يحدث. كان يبحث عن سبب يخفف من فوضى الحزن، فوجد علاقةً وهمية بين حدثين متتاليين كنت أظن أنني كلما اقتربت من الله، اقترب مني الابتلاء.
وكلما فكرت في العودة إلى الصلاة، تسلل إليّ خوفٌ غريب: ماذا لو فقدت شخصًا آخر؟ لم يكن ذلك اعتقادًا دينيًا، بل كان خوفًا إنسانيًا صنعه الألم.
وهكذا بدأت أسأل نفسي: هل كلما اقتربت من الله، اقترب مني الابتلاء؟
في حال لم تكن تعرف، فهناك مصطلح في علم النفس والإحصاء يصف ما مررت به تمامًا، وهو:
Correlation vs. Causation
:او كما يُترجم إلى العربية
الارتباط لا يعني السببية.
يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن سبب لكل ما يحدث في حياته، لأن فكرة الصدفة أو العشوائية تزعجه. لذلك يحاول عقله أن يربط بين الأحداث، حتى لو لم يكن بينها أي علاقة حقيقية.
فعلى سبيل المثال، قد يرتدي شخص قميصًا معينًا في كل امتحان يحصل فيه على علامة كاملة، فيبدأ بالاعتقاد أن ذلك القميص يجلب له الحظ. أو يقرأ دعاءً معينًا قبل مقابلة عمل، ثم يُوفَّق فيها، فيظن أن هذا الدعاء وحده هو السبب المباشر لما حدث.
وهذا ما فعلته أنا أيضًا.
عندما التزمت بالصلاة، ثم فقدت شخصًا أحبه، ربط عقلي بين الحدثين، وكأن أحدهما تسبب بالآخر. لم يكن ذلك لأن بينهما علاقة فعلية، بل لأنني كنت أبحث عن تفسير يخفف من فوضى الحزن.
كنت بحاجة إلى نهايةٍ منطقية لما حدث، إلى سبب أستطيع أن أعلّق عليه كل ذلك الألم، لأن تقبّل فكرة أن بعض الابتلاءات تقع دون أن نفهم حكمتها فورًا… كان أصعب بكثير.
اليوم أدرك أنني كنت أربط بين أمرين لا علاقة بينهما. فلو كانت الصلاة سببًا في الابتلاء، لكان أقرب الناس إلى الله أكثرهم شقاءً، ولأصبحت الطاعة سببًا للخوف بدل أن تكون مصدرًا للطمأنينة. لكن الواقع يخبرنا بعكس ذلك؛ فالجميع يُبتلى، المؤمن وغير المؤمن، الملتزم وغير الملتزم، لأن الابتلاء جزءٌ من الحياة، وليس نتيجةً للصلاة
:حيث قال رسول الله ﷺ
«أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رِقَّة خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.»
— رواه جامع الترمذي، وصححه عدد من أهل العلم.
حين قرأت هذا الحديث لأول مرة، شعرت أنني كنت أنظر إلى الابتلاء من زاوية مختلفة تمامًا. كنت أظن أن الابتلاء علامة على أنني فعلت شيئًا خاطئًا، بينما يوضح الحديث أن الابتلاء ليس دليل ابتعاد عن الله، بل قد يكون جزءًا من طريق المؤمنين جميعًا، حتى الأنبياء الذين كانوا أحب الخلق إلى الله
بعد سنوات، أدركت أنني كنت أطرح السؤال الخطأ.
كنت أسأل:
"لماذا ابتلاني الله بعدما التزمت بالصلاة؟"
لكنني لم أسأل نفسي يومًا:
"ومن قال إن هذا الابتلاء لم يكن سيحدث لو لم أصلي؟"
لقد افترضت أن هناك علاقة بين الأمرين، رغم أنني لم أملك دليلًا على ذلك.
فالحياة لا تتوقف عن ابتلاء الملتزمين، كما أنها لا تُعفي غير الملتزمين من الألم. المرض، والفقد، والخسارة، والخوف... كلها أمور يمر بها الإنسان لأنه إنسان، لا لأنها جاءت عقابًا على طاعة أو مكافأة على معصية.
كنت أظن أن استجابة الدعاء تعني أن تتحقق إرادتي، ولم أدرك إلا لاحقًا أن الله قد يستجيب بطرق لا تشبه توقعاتنا، وأن الحكمة ليست دائمًا فيما نطلب، بل فيما يختاره الله لنا
ولاحظت أنني كنت أنظر إلى الصلاة من زاوية ضيقة فنحن لا نصلي لأن الصلاة تضمن لنا حياةً خالية من الفقد أو الألم، ولا لأنها تمنع الابتلاء، بل نصلي تقربًا إلى الله، وإيمانًا بأنه معنا في كل ما نمر به، سواءً تحقق ما تمنيناه أم لم يتحقق فالصلاة ليست وعدًا بأن الحياة ستكون سهلة، بل وعدٌ بأنك لن تواجه صعوباتها وحدك.
وحين تخطو خارج منزلك اليوم أو غدًا، فأنت لا تخرج وأنت تضمن أن شيئًا سيئًا لن يحدث، بل تخرج وأنت مؤمن أن الله معك، يعلم ما في قلبك، ويرعاك بحكمته ورحمته، وذلك وحده كفيل بأن يمنح القلب طمأنينة لا يمنحها شيء آخر.
اليوم، لا أستطيع أن أقول إنني أصبحت أفهم حكمة كل ابتلاء مررت به، فما زالت هناك أمور لا أملك لها تفسيرًا، وربما لن أملكه يومًا.
لكنني تعلمت شيئًا واحدًا…
أن الصلاة لم تكن سببًا فيما فقدته، بل كانت الشيء الوحيد الذي كان يعيدني إلى نفسي كلما فقدت جزءًا منها.
أدركت أن الابتلاء لا يختار المصلين وحدهم، كما أنه لا يتجاوز من ترك الصلاة. فهو جزء من هذه الحياة، يزور الجميع بأشكال مختلفة، لكن الفرق الحقيقي هو: كيف نستقبله عندما يأتي؟
ولهذا، إذا كنت تقرأ هذه المقالة لأنك مررت بالفكرة نفسها يومًا، وأصبحت تخاف من الاقتراب من الله بعد أن أصابك الألم، فأرجو أن تتذكر شيئًا واحدًا:
لا تجعل الحزن يقنعك بأن العلاقة التي تربطك بالله هي سبب وجعك.
فقد يكون، في أكثر أيامك ظلمة، هو الشيء الوحيد الذي سيمنح قلبك القدرة على الاستمرار.
ولعلنا لن نفهم كل حكمةٍ في وقتها، لكننا سنفهم يومًا أن الله لم يطلب منا أن نأتي إليه لأن حياتنا خالية من الألم، بل لأننا بشر، والألم جزءٌ من رحلتنا جميعًا.
إن كنت دخلت هذه المقالة باحثًا عن جواب، فها هو جواب سؤالك وجواب سؤالي الذي بحثت عنه لسنوات: لا، ترك الصلاة لا يبعدنا عن الابتلاء… لكنه قد يبعدنا عن أكثر ما يعيننا على احتماله..
- محبتكم دائمًا،داليا



تحفة وجميل جدًا، مقالاتك دايمًا بتلمس فيا شيء بس ده بالذات كان حاجة مختلفة 🤍
عاشت ايدج مقال جدا جميل وواقعي