الوَهْمُ الرَّقْمِيُّ: حِينَ تَكْذِبُ مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ عَلَيْنَا
اتمنى ان تستمع بقراءة هذا المقال كما استمتعت أنا بكتابته! 𝜗ৎ
كل شخص تعيس عرفته يوماً..
يبدو سعيدا جدا على مواقع التواصل الاجتماعي
-أحدهم
مرحبًا قرَّائي الأعزَّاء… أكتب لكم صباح اليوم الأول من العيد في الساعة الرابعة صباحًا بتوقيت مدينتي، لكني سأخبركم أنها الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت مدينتي المفضَّلة. وخصيصًا لأني أفضل العيش في خيالي عن الواقع، لذلك أنا أكتب مقالتي في بداية الثمانينات وعلى آلة كتابة سوداء اللون، بجانبها كوب من الشاي، لأنني لا أفضل القهوة؛ فأنا عكس كل البشر، فهي تجعلني أودّ الخلود في فراشي والنوم. وربما يترجَّح سبب ذلك حسبما قال لي طبيبي بأنني أعيش على مراحل عالية من القلق، فلذلك لا تفعل القهوة بجسدي سوى إنزال مستويات التوتر والقلق إلى أقل من الطبيعي، لتجعلني أودّ الخلود بالنوم.
وربما سهري في كل الليالي هو ما يجعلني شغوفة تجاه الكتابة، فكل أفكار مقالاتي تأصَّلت من أفكار الليل ومحاولاتي الفاشلة بالخلود إلى النوم بوقت مبكر. لذلك أجلس طوال الوقت أكتب، على أمل أن تخفّ أفكاري قليلًا لتجعلني أهمد في فراشي دون القلق من أن أنسى أفكاري صباحًا، وتبقى في طيّ الذاكرة حبيسة لا تستطيع معاتبتي على نسيانها. وأنا أعرف ذاتي، فأني سأنساها كما أنسى تقاريري الدراسية حتى آخر لحظة.
تكلمت كثيرًا عن نفسي، حتى إنني نسيت أنني هنا اليوم لأتكلم عنك، وعني، وعن كل شخص قابلته اليوم في طريقك إلى العمل، البيت، المقهى… لأتكلم عن اليوم الذي مررت به وجعلني افطن على كل مجرييات الحياة، ففي الصباح حين كنت خارجة لأتبضع نقوصات الإفطار التي كنت متحمسة لصنعه لعائلتي… (ألم أخبركم أنني طباخة ماهرة أيضًا؟)
وفي أثناء وجودي في السوق، وضعت هاتفي جانبًا لأنظر إلى الحياة التي نفوتها بشكل يومي تقريبًا بسبب عدم قدرتنا على رفع رأسنا عن تلك الشاشات الغبية. تتمشى، يا عزيزي، في حيك، وتمر بجانب جارك بشكل يومي، وتصل للبيت لتلتقي بأفراد عائلتك الذين لا تعطيهم أي اهتمام سوى إلقاء السلام بشكل باهت، لأن زميلك الجامعي القديم نشر للتو إعلان خطوبته، أو ابن خالتك اشترى قطًا جديدًا أبيض اللون ونشر ليخبر العالم بذلك…
يا عزيزي، أنت تائه في حياة الناس لدرجة نسيانك لكل شيء من حولك!
لا أعرف إن كنت تتذكر كيف كانت حياتنا من دون أي شاشات… عندما كنا نبحث عن حركة في يومنا، كنا نتحضر بشكل يومي للخروج من المنزل للمشي قليلًا، أو لنلمس عشب حديقة جيراننا ونقطف ورودًا جميلة بالقليل من الشعور بالذنب لإتلافها. حين كانت الحياة واقعًا تفرضه على نفسك يوميًا من دون مشتتات، كانت تجعلك تغرق في سبات عقلي بشكل يومي، لتنسيك ذكرياتك وكم كنت سعيدًا ومليئًا بالراحة، بعقلك اليافع المليء بالأهداف التي كنت تفكر بفعلها غدًا!
أما الآن فنحن مشغولون جدًا بهواتفنا، حتى نسينا أن نعيش اللحظة ذاتها؛ أن نستمتع بما نأكل، وأن ننظر إلى المكان الذي نجلس فيه الآن ونتأمل تفاصيله، وكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وأن نفكر بمتغيرات الحياة التي حدثت لنا في آخر خمس سنوات مثلًا.
لذلك عقدت عزمي على الذهاب إلى مقهى صغير بجانب جامعتي أحبه جدًا، لكنني لا أتذكر كيف كان شكله تمامًا، ولا أعرف من كان يجلس بجانبي. قبل يومين اتفقت مع صديقة لي على الذهاب إليه، لنُجرب هذه المرة أن نتأمل ما يحدث حقًا، وأن نتحدث عمّا يهمنا فعلًا… وفعلنا ذلك، بينما كنت أرى تفاصيل المكان كلها للمرة الأولى.
ركزت على الحائط؛ لم يكن مصبوغًا بلون واحد، بل كان مقسومًا إلى قسمين: طلاء أبيض في الأعلى، وقطع صغيرة من الطابوق الأحمر في الأسفل، ذلك اللون الذي أميل إليه كثيرًا. كانت المقاعد من الجلد الأسود، والطاولة خشبية صغيرة. كان المكان ضيقًا جدًا لدرجة أنني سمعت كل ما يدور على الطاولة المجاورة رغم محاولتي تجاهل ذلك.
تحدثت أنا وصديقتي عن أحداث البلاد في الآونة الأخيرة، وأخبرتني أننا نعيش عصرًا قد يشهد حربًا عالمية ثالثة. ضحكت قليلًا وأخبرتها أنني أعيش في وهم السلام العالمي، وأنني لا أتابع الأخبار فقط لأُبقي هذا الوهم حيًا. ثم أخبرتني عن إحدى الفتيات المشهورات، وكيف تعيش حياة مثالية خالية من أي متاعب. تحدثنا قليلًا عن معنى الحياة المثالية، فقالت لي — بحسن نية لا حسدًا — إن تلك الفتاة مشهورة بجمالها وجاذبيتها، تملك مظهرًا جميلًا وشخصية أروع، وسعيدة بعلاقتها مع زوجها ولا تعاني من أي مشاكل في حياتها…
وهنا فقط فهمت مشكلة مواقع التواصل الاجتماعي…
لا يَعرِفُ أحدٌ كِذبةَ مواقعِ التواصلِ أكثرَ منّي أنا.
تذكّرتُ حينها قبلَ عدّةِ سنين عندما تُوفّيت قريبةٌ لي كنتُ أعدُّها كأمّي الثانية، وتأثّراً بما حدث تركتُ جميعَ صفحاتي الشخصية حداداً عليها. لم يستمرّ الأمرُ أسبوعين حتى عدتُ إلى النشر، فظنَّ بعضُ المتابعين أنّني تجاوزتُ الفاجعة، وأنّ وفاتها لم تترك أثراً كبيراً في داخلي كما كانوا يعتقدون.
لم أستطع أن أجادل أكثر عن شعوري في تلك اللحظات حين وُصفتُ بأنني غيرُ مهتمّة، لمجرّد أنّني لم أنشر باستمرار عمّا حدث لي. لم يعلموا أنّني كنتُ أغرق في حزني كلَّ يوم، وأنّ الطريقةَ الوحيدةَ التي كنتُ أفرّغ بها ألمي هي خصوصيّتي لا منشوراتي.
ولا أُخفيكم أنّني تأثّرتُ كثيراً بمواقعِ التواصل وبالمحتوى العام الذي يصوّر البشر كصورٍ مثاليّةٍ للمجتمع، ويشوّه الواقع حتى نُصدّق أنّ الجميع يعيشون حياةً كاملة، وأنّ الخلل في حياتنا نحن!
لذلك أخذتُ وقتًا مطوّلًا للبحث عن خوارزميات تلك المواقع وما سبب إدماننا عليها ونسياننا للواقع. ولأخبرك باختصار عمّا وجدته، يجب أن أذكر لك عدة نقاط مهمة أثّرت في فكري:
بدايةً؛ هذه المنصّات لا تُصمَّم لإسعادك، بل لإبقائك أطول وقت ممكن داخلها؛ لأن وقتك يعني أرباحًا إعلانية، لذلك تُبنى الخوارزميات على مبدأ الانتباه لا الفائدة. والإدمان بها ليس صدفة؛ فتصميم التطبيقات يعتمد على مبدأ المكافأة غير المتوقعة، فالإعجاب أو التعليق يعمل كجرعات صغيرة من الدوبامين تجعل دماغك يطلب المزيد بلا وعي.
فيحدث حينها أننا لا نرى الواقع بل “أفضل اللقطات” فقط؛ ما يُعرض أمامنا هو النسخة المنتقاة من حياة الآخرين، من دون آلامهم أو حزنهم أو واقعهم، بل هي حياتهم المثالية الموجودة فقط لتشويه الواقع بكل تعبه وفوضاه. نقع أنا وأنت وكل من يقرأ في خطر المقارنة الصامتة بسبب ما تفعله هذه المنصّات؛ إذ نقارن يومنا العادي بلحظات الذروة والأحداث المهمة لدى الآخرين فنشعر أن حياتنا أقل قيمة. ونقع أيضًا عرضة للخوارزميات التي تتعلّم ما يثيرك أو يغضبك أو يقلقك ثم تكثّف عرضه عليك، لأن المشاعر القوية تُبقينا متعلّقين بالشاشة وقتًا أطول.
تذكّرتُ حين بدأت أكتب على هذه المنصة كيف فرحت عندما رأيت أن متابعيني أصبحوا اثني عشر شخصًا. تذكّرت حينها تلك المقولة التي تقول إننا نسينا فعلًا ما هو حقيقي؛ فحين نرى أن من وضعوا إعجابًا على صورنا أو كلامنا اثنا عشر شخصًا فقط نعتقده قليلًا، لكن لو تخيّلنا اثني عشر شخصًا في الواقع يخبروننا بمدى إعجابهم بما قلنا، ألن يصبح ذلك يومًا مميزًا؟ فلماذا لا نراه كذلك الآن؟
عزيزي القارئ، لا تعرف كم أن كثرة التعرّض لهذا العالم الرقمي تُضعف حضورك في اللحظة الحقيقية؛ تنسى أن تنظر لكل من حولك، وتنسى أن تفكّر بما تريده وتريد تحقيقه فعلًا، وتتلهّى بكل ما يفعله الآخرون على مواقع التواصل الاجتماعي، وتريد أن يحدث لك ما يحدث لهم من دون أن تنتبه أنه وهم رقمي غير حقيقي.
لذلك يا عزيزي، أخبرك اليوم أن مواقع التواصل الاجتماعي شيء لا يُستغنى عنه في حياتنا الحالية، لكن لا تجعل حياتك تدور حولها، ولا تجعل قيمتك تُقاس بعدد الإعجابات، ولا تسمح لشاشة صغيرة أن تختصر اتساع حياتك الحقيقية. الحياة التي تنتظرك خارج الهاتف أكبر بكثير مما تتخيل!
Social media has made us so eager to show and
tell, but there is beauty in privacy
Everything isn’t meant to be on display
It’s perfectly fine to keep some things for you
يا أعزائي القراء، أتمنى بعد انتهائكم من قراءة هذه المقالة أن تمنحوا أنفسكم فرصة صغيرة للعودة إلى الحياة الحقيقية. اذهبوا للمشي قليلًا، اجلسوا في حديقة بيتكم أو قرب نافذتكم لبضع لحظات هادئة، تأملوا الطبيعة من حولكم، شمّوا الهواء، واستمتعوا بكل التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تمرّ بلا انتباه. تحدّثوا مع عائلتكم التي هي أولويتكم الأولى بعد الله، استمعوا إلى أصواتهم، ضحكاتهم، وحتى شكواهم الصغيرة، فهي جزء من حياتكم الحقيقية.
ثم اسألوا أنفسكم بصدق: ما هي أهدافكم وأحلامكم لو لم تكن مواقع التواصل موجودة أصلًا؟ من ستكونون لو عشتُم حياتكم لأنفسكم، لا لأنظار الآخرين أو عدسات هواتفهم؟ كم مرة في اليوم تركزون على ما يحدث لكم في الواقع بدلًا من متابعة حياة الآخرين المثالية التي لا تعكس إلا صورًا مختارة بعناية؟
خذوا هذه اللحظات لتعيدوا ترتيب أولوياتكم، لتستعيدوا حضوركم في حياتكم الخاصة، ولتذكروا أنّ السعادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الإعجابات أو المتابعين، بل باللحظات التي تعيشونها بكل وعي، والقرارات التي تتخذونها لتصنعوا مستقبلكم بأنفسكم!
- َمُحبَتُكُم،داليا



سلمت يداكِ
لو سمحتي ممكن حسابك الانستا اضيفك؟ 💗🌷🌷
ابدعتي.
تطرقتي لجانب مهم ان الناس تعرف حقيقته وما يدور في خوارزميات مواقع التواصل
لغة الطرح والسرد جدا جميلة تجبر الشخص ان يكمل المقال بدون ان يحس
بالتوفيق ومنها للاعلى