لا أَحَدَ يَبدَأُ كامِلًًا… أَبَدًا | متلازمة كافكا
اتمنى ان تستمع بقراءة هذا المقال كما استمتعت أنا بكتابته! 𝜗ৎ
“Don’t fear failure but rather fear not trying.” — Roy T. Bennett
«لا تَخَفْ مِنَ الفَشَل، بَل خَفْ مِنْ عَدَمِ المُحاوَلَة.»
روي بينت-
عزيزي القارئ،
كيف حالك اليوم؟ وكيف تمضي ساعاتك؟
اما عني انا فأني امضي يومًا حافلًا بالذكريات، وأكتب هذا المقال في السابعة مساءً، وسط جلسة عائلية حميمة. إلى جانبي مدفأة عربية تعمل بالنفط، وفوقها إبريق صغير يحوي أعواد القرفة، تفوح منه رائحة لا أميل إليها كثيرًا، لكنها تملأ المكان بدفءٍ ينسج بين الأمس والحاضر خيطًا واحدًا…
والآن، يا عزيزي القارئ، أتساءل عنك حقًا…
ماذا تحب أن تفعل في وقت فراغك؟ وهل أنت راضٍ عن الطريقة التي تمضي بها يومك؟
دعني أجيب عنك بصراحة، وربما عني أيضًا:
نحن نفتقر إلى التجارب الجديدة. نفتقر إلى شغف المحاولة، إلى ذلك الإحساس الذي يوقظ العقل ويضيء جزءًا خفيًا منه كلما فكرنا بشيء جديد. ولأكن صادقة، أنا أيضًا أفتقد هذا الشعور أحيانًا.
نحن، كبشر، منشغلون بتفاصيل الحياة إلى حدٍّ جعلنا ننسى حقيقتها؛ أنها فانية، وأنها تجربة لا تتكرر. نعيشها مرة واحدة فقط، ولن تُمنح لنا فرصة أخرى لنفعل ما نؤجله اليوم إن لم نجرؤ على فعله الآن.
قادني هذا التفكير إلى عدد المرات التي رغبت فيها بتجربة شيء جديد، حتى قبل خمس دقائق فقط، حين قررت أن أجرّب لعبة السودوكو؛ تلك اللعبة المعروفة بتنشيط الذاكرة وسرعة البديهة. لكنني أُحبِطت حين لم أستطع إنهاءها في دقيقة واحدة كما كنت أفعل سابقًا. وحين أعدت المحاولة، ومع اقتراب الوقت الذي حددته لنفسي من نهايته، خرجت مسرعة من اللعبة، مقتنعة بأنني لم أعد ماهرة كما كنت، وربما لن أكون كذلك مجددًا.
وهنا، اشتعل ذلك الضوء الصغير في زاوية التفكير داخلي. ازداد شغفي بالكتابة، ووجدت نفسي مدفوعة لطرح هذا السؤال عليكم، يا أعزائي:
هل نحبّ الكمال لأننا نطمح إليه، أم لأننا نخاف أن نخسر صورتنا الأولى عن أنفسنا؟
في صغري، اعتادت أختي الكبرى أن تنبّهني كلما شرعت في تجربة شيء جديد، أن أحرص على أن يكون مثاليًا تمامًا، وأن أتجنب الخطأ مهما كان صغيرًا. حتى في نصوصي ومقالاتي، كان أي خطأ — ولو بسيطًا — يُقابل بتنبيه شديد، بدافع حرصها على أن تكون كتاباتي، كما كانت تقول حرفيًا، «مثالية تمامًا».
تسلّل هذا الشعور إليّ بصمت، ونما داخلي حتى أصبح جزءًا مني. إلى أن وصلت إلى مرحلة لم أعد أعرف فيها كيف أبدأ شيئًا جديدًا وأتعلمه، وفي الوقت نفسه أطالب نفسي بالمثالية. فكلما جرّبت أمرًا جديدًا، تراجعت عن إكماله، خوفًا من أن يبدو مبتدئًا في نظر الآخرين.
ولا أستطيع أن أصف لكم عدد المقالات التي حذفتها، ولا كمّ الكتابات التي لم أُكملها وتركتها حبيسة دفاتري، فقط لأنني خشيت أن تبدو «ركيكة»، كما كنت أظن.
وحين مضى بي العمر، امتهنت العديد من الهوايات، وحدّدت لنفسي الكثير من الطموحات، غير أنّ خوفي من ألّا أُتقن أيًّا منها في الدقائق الأولى كان يدفعني، في كل مرة، إلى تركها في منتصف الطريق.
ولا أُخفي عليكم أنني، لفترة طويلة، أُغرِمت بالرسم وأحببته بصدق؛ حتى إنني حاولت تعلّمه بجدية واستمررت عليه زمنًا، لكنني لم أستطع يومًا تقبّل لوحاتي مهما فعلت. كانت تبدو لي دائمًا شاحبة، تفتقر إلى لونٍ مبهج أو لمسةٍ مميّزة، أو ربما لم تكن سوى عادية… كصاحبتها، كما كنت أعتقد.
وحينها، بدأت أتساءل عن هذه الحالة: ما هي؟ ولماذا تلازمني بهذا الشكل؟ أخذني الفضول إلى البحث عنها في كل محركات البحث، وعبر مختلف متصفحات الإنترنت، إلى أن وجدت أخيرًا تسمية واضحة لها. فبحسب خبراء علم النفس، تُعرَف هذه
الحالة بـ متلازمة المثالية: “perfectionist syndrome”
وهي، ببساطة، رغبة الإنسان في أن يكون مثاليًا في كل شيء. حالة تنبع من خوفٍ عميق من الفشل، فتدفعه إلى مرحلة من التخريب الذاتي؛ يترك فيها كل ما يبدأه، لا لأنه غير قادر، بل لأنه يخشى ألّا يكون كما يريد. وهكذا، وتحت وهم الكمال، لا يصبح شيئًا… لأنه خاف أن يكون ناقصًا.
ولكنني أطلقتُ على هذه الحالة تسمية أخرى، مستوحاة من تجربة حقيقية عاشها فنان وكاتب مشهور، فأطلقت عليها اسم
متلازمة كافكا
فحتى كافكا، رغم شهرته الكبيرة في الوسط الأدبي، كان معروفًا بحرق أكثر من تسعين بالمئة من أعماله، لمجرد اعتقاده أنها ليست مثالية.!
يجب أن أخبرك، يا عزيزي القارئ، كيف يمكن تجنّب هذا الشعور، وكيف كنت أحاربه داخليًّا طوال السنوات الماضية، أجاهد لنشر مقالاتي وكتاباتي رغم خوفي من عدم الكمال. والآن جاء دوري، لأشاركك هذه المعرفة، آملة أن تكون مفيدة لك وتمنحك الشجاعة لتبدأ، دون انتظار المثالية:
أولاً: ابدأ فورًا دون تفكير مطوّل
تذكّر قاعدة الخمس ثواني المعروفة عالميًا: عندما تخطر على بالك فكرة لفعل أي شيء، نفّذها خلال خمس ثوانٍ فقط. لا تمنح عقلك الوقت ليفكر، يرفض، أو يقنعك بالفشل أو بأي شعور سلبي آخر. خطوة واحدة سريعة تكسر حاجز الخوف وتدفعك نحو التجربة.
ثانياً: ضع حد زمني لكل تجربة
على سبيل المثال اختر ما تريد فعله اليوم وضع مؤقت لمدة عشر دقائق او ربع ساعة لفعله واحرص على دخولك التركيز بهذا الوقت، هذا يمنعك من الانغماس بالقلق ومحاولة ان تكون مثالياً.
ثالثاً:احتفظ بدفتر للتجارب والخطأ
دون فيه كل تجربة جديدة، ما نجح وما لم ينجح، وكيف شعرت أثناء المحاولة. هذا يجعلك ترى التطور بدل التركيز على النقص.
رابعاً: “قم بعمل “نسخة أولية فقط
لا تركز على أن يكون كل شيء كامل من البداية. كل مشروع يحتاج إلى مسودة أولى، فالمسودة ليست فشلًا بل البداية الطبيعية.
خامساً:شارك أعمالك مع شخص موثوق
أحيانًا الخوف يزداد لو بقيت وحيدًا مع أعمالك. مشاركة خطواتك مع صديق أو أحد أفراد العائلة تعطيك جرعة تشجيع وتقلّل من خوف الحكم.
سادساً: غيّر لغتك الداخلية
بدل أن تقول: «يجب أن أكون مثاليًا»، قل: «سأحاول وأتعلم». تغيير الكلمات يقلل الضغط النفسي ويحفز التجربة.
سابعاً: كافئ نفسك على المحاولة
حتى لو لم تكن النتيجة رائعة، كافئ نفسك على الشجاعة والبدء. هذا يعلّم الدماغ أن التجربة نفسها قيمة.
ثامناً: تعلم من النماذج الواقعية
اقرأ عن أشخاص مشهورين ارتكبوا أخطاء كثيرة قبل النجاح، مثل كافكا أو إديسون. هذا يذكرك أن الكمال ليس شرطًا للنجاح.
تاسعاً: تقبل الفشل المرحلي
ضع قاعدة: «أي تجربة غير كاملة اليوم، فرصة أفضل غدًا». الفشل المؤقت ليس نهاية الطريق.
عاشراً: “ابدأ التمرين على “الخطأ المتعمد
اختر شيئًا صغيرًا واعمل فيه خطأً متعمدًا. ستتعلم ألا تكون النهاية المثالية دائمًا ضرورية، وستشعر بحرية أكبر.
وأخيرًا، يا عزيزي القارئ، أتمنى لك مستقبلًا ممتلئًا بالأعمال الجميلة التي تصنعها أنت، حتى وإن لم تكن مثالية، وحتى وإن كان ينقصها شيء. فأنا على يقين بأنها ستكون كاملة، فقط لأنك كنت جزءًا من صنعها.
أتمنى أن يكون مقالي قد لامسك حقًا، فهذه معركة نعيشها في مختلف مجالات حياتنا؛ دراسية كانت أم عملية، عاطفية أم فنية. وربما كُتب لك أن تكون كاملًا وجميلًا… لكن ليس بالضرورة أن تكون مثاليًا.
- َمُحبَتُكُم،داليا



فن اختيار المواضيع، واختيار عن ماذا يتحدث المقال👏🏼
ليس للأستماع وحسب
بل لأنقاذ مايعيشه اغلبية البشر، والكثير منهم غير واعٍ عليه.
شكراً لكِ على نصائحك الذكية، سأطبقها في حياتي.
مُمتنة وفخورة🤍🤍
شكراً لكتابتكِ لهذا المقال فأنا أعاني من هذه المتلازمة وعندي تردد كبير داخلي كلما أردت فعل شي أخذ الكثير من الوقت في التفكير وبالنهاية في اغلب الأحيان لا افعل ما أردت فعله حتى وان كانت لدي رغبة حقيقة في فعلها لكنِ لا افعلها فقط لأني احسها ناقصة